الحركة في الأصل تتمثل في الكلمة بمعنى نوع من أنواع الكينونة أو الوجود المشتمل على الطاقة. ولكنها تتبدّى في كل شيء وهي التي تنقل الأشياء من حال إلى حال.
لنتأمل قصيدة رابعة بعنوان"النهر". نجد أن النهر ينساب ثملًا بين أحضان المروج الخضر وهو في الأرض يحاكي نهر المجرة في السماء.
"كان النهر من قبل نائمًا نوم الدلال على أرجوحة السحاب فأيقظ الشوق عينيه للنزول على قمة الجبل وشعافه وكفافه بل للغوص إلى أعماقه ثم انطلق ينبوعًا متدفقًا يتسلل فوق الحصى ويتسبب منشدًا أغانيه في مجراه الطويل وكأن وجهه وهو يركض في الحقول وجه المرآة المصقول لا غبار عليه يعكس بصفائه وشفوفه مختلف الألوان وهو مُيَمِّمٌ نحو بحر لا ساحل له، سكران بالحب متفرد بالسير ليبدع الربيع الملائكي الطلعة ولتتنفس حول شطيه الورود والخزامى والسوسن وشتى البراعم الناشئة. تغازله هذه الأزهار وتداعب أذياله وثغابه وتجذبها إليه ثم تدل بقاماتها الهيف وكسوتها الخضراء وألوانها الزاهية عليه وهو سائر لا يبالي دائب يقطع الصحراء ويمزق صدور الهضاب ويعبر السدود والسفوح والأودية صعودًا وهبوطًا ويتجاوز قصور الملوك وجدران القلاع ويتخطى المروج والبساتين والغياض والخمائل. إنه في كل لحظة يعبر شيئًا قديمًا ويصل إلى شيء جديد قويًا سريعًا محترق الكبد دون قرار وهو فارغ البال من كل شيء إلا الوصول إلى غايته وهي البحر الذي لا ساحل له".