وإذا كان إقبال قد ذكر جلال الدين الرومي فإن هذا الشاعر العظيم كان صديقًا لصدر الدين القونوي ربيب الشيخ الأكبر وكلاهما تأثر به. وعظمة إقبال تكمن في شعره العبقري الملهم الحافل بالصور والتلميحات والإشارات. وقد رفع من شأن صاحب المثنوي لأن شعره ينبض بالعاطفة والحب والوجد. ... ومن صاح وجدًا ما عليه جناح
إن التهاب العاطفة بالحب حركة. وليس كالنار في حرقة القلب ما يمثل شدة الحركة. والحركة أصيلة في العالم: أصيلة في المادة الهامدة كما تقول الفيزياء الحديثة وأصيلة في النبات وفي جميع الكائنات الحية. وهي مهمة في فلسفة إقبال وفي صور شاعريته.
وكما تمثل النار الحركة فتحرق القلب بالحب مثلًا في سعيه نحو المعرفة كذلك يمثلها الموج الذي يلطم الصخر على الشاطئ ويفلّه. في قصيدة ثانية بعنوان"الوجود والعدم"يمثل إقبال السكون والعدم بالشاطئ إذ يتهدم وينهار من صفقات الموج عليه ولطماته له. ويُدلّ هذا الموج على الشاطئ بحركته الدائبة حين يخاطب الشاطئ فيقول:"أنا موجود ما سرت فإذا لم أسر فهذا العدم". هذا مثال شديد الوضوح على الحركة والحاجة إلى اليقظة بالتحرك والعمل وإلا فإن إقبالًا يدرك وجود الحركة الخفية في المادة.
هذه الحركة أصلها الكلمة من بعض الوجوه. كلمات الله كثيرة لا حصر لها. ولكن"كلمة الحب"هي وحدها جذوة القلب كما يقول إقبال في قصيدة ثالثة بهذا العنوان. هذه الكلمة هي سر ولا سر لما همست بها منذا الذي استرق السمع ومن سمعها وممن سمعها وإلى من أوصلها السامع. لقد أخذها الطل من السماء ونزل بها إلى الأرض. وبها نبت الورد. وسمعها البلبل من الورد فهام به وهتف بجماله وحملتها ريح الصبا من البلبل وأشاعتها في الآفاق. هذا التمثيل الشعري المرهف بحركة الحب من كائن إلى كائن من أجمل ما عرفناه في تاريخ الشعر والحب.