ومن لطيف عاداتهم أن البنت لا تنهض إلى الرقص إلا إذا أعطاها الشاب ثمنها، وثمنها هو بضعة أبيات غزلية مرتجلة من الشعر، كهذه الأبيات:
يا أم الثماني العذاب
خمّي حياة الشباب
قبل غثيث التراب
يجبر عليكي وهلي
يا أم الثماني الرهاف
لا بد لك من قبر واف
عنك الضعاين مجافي
بس أنت بأرض الخلي [3]
والدحة عند بدو فلسطين في النقب يطلق عليها: الدحية والسهجة والسحجة، وفيها يرددون لفظة دحّي بوي، وهي عندهم فرجة بمثابة المسرح في المدينة ويحق لكل فرد أن يكون متفرجًا أو لاعبًا، وتقام في مناسبات عديدة كالختان والأعراس والأعياد وعودة الغائب والسجين والحاج.
يتوافد الناس بعيد الغروب على بيت المفرّح، يتبعهم الأطفال، تنطلق الزغاريد، يصطف الأطفال ويصفقون وترقص الفتيات الصغيرات، ثم يتقاطر الرجال فيترك الأطفال ساحة اللعب لهم، فيشكلون هلالًا مقابل النساء الجالسات ويرددون لفظة دحّي بويّ ترديدًا مستمرًا مع التصفيق الحار ويهزون رؤوسهم وأجسامهم بانتظام، ويتحركون إلى الأمام والوراء بخطى متناسقة وهم في لباسهم التقليدي، فتنبري لهم امرأة ترتدي ثوبًا طويلًا أسود، مقنعة لا يظهر من وجهها غير عينيها، بيدها سيف أو عصا، ترقص على الإيقاع، والرجال يتقافزون أمامها وهم يطلقون الصرخات الحماسية وهي تحاكي تحركاتهم بحذر، وتهدد بالسيف من يحاول أن يمسها، واللاعبون يتبارون في الاقتراب منها وإخافتها، وعندما يبل التعب أوجه اللاعبين يحضر الشاعر، ويسمونه البديع، وربما يكون واقفًا معهم في البدء، وينشد على الإيقاع، وعادة ما يبدأ بمدح المفرِّح مشيدًا بكرمه وسعة بيته:
يا بيت المفرِّح والراية تذعذع فوقيّة
يا بيت المفرِّح متل السرايا المبنية
راعية الحفل: أنا داخل ع كبيرة البوشي.
الراقصة: تجيب حويشي الدَّحية.
راعية الحفل: وان ما جابت الحاشي.
الراقصة: غلطة لساني رديَّة.
راعية الحفل: أنا بديع وأبوي بديع.
الراقصة: وأمي رقَّاصة نشمية.