والاعتراف بعظمة منزلها وصدق نبوة حاملها، بل ووجوب الاحتكام إليها في الأمور كافة، وبنظرة عجلى للواقع سنرى كيف غاب الخالق عن أذهان البشر حينما تركوا شريعته، فلا هم حكموها ولا احتكموا إليها، واكتفوا بشرائع وضعية وقوانين رسمية خطتها أناملهم وحبكتها عقولهم القاصرة، فلا هم أراحوا أنفسهم بسعادة دنيوية، ولا أزاحوا عنهم عذابًا بعد البرزخية.
ويصعب الأمر أكثر عندما نرى في القرآن ما يشحذ الهمم من فضائل دنيوية، ونعم أخروية ثم لا يُلقى لها بالٌ ولا اهتمام، وترى فيه وعيدا وجحيمًا لمن أنقض عهد الله وقصر واستكبر، والغفلة هي هي.
ولما كانت الخلافة تشريفا للمستخلفين على الأرض، كان حريًا بأصحابها احترامها، والعمل بواجبها دنيا ودين فلا إفساد ولا إضرار ولا كفر في الدنيا، فنجاة من النار يوم الدين.
ولا أظن أن الخلافة قد استوفت حقها ونالت قدرها بيننا، وكيف يتسنى لها ذلك وقد فاق فيها الفساد كل حد، واستوحش الناس فتناسوا الرأفة والرحمة بينهم، وغضوا الطرف عن واجبهم بالحفاظ على القدر الذي استخلفوا فيه، فصاروا لا يترفعون عن إزلال الشياطين لهم.
ولو أنهم ترفعوا عن ذلك فاستغفروا الله وأطاعوه لكان خيرا لهم وأجدى.
والعجيب أن القرآن يشكك في الدنائس ويؤكد على ضرورة الاحتياط منها، كما شكك في أمر اليهود وكشف لنا عن ما في صدورهم من غلٍ وكيد للإسلام وللمسلمين، لكن أين نحن من هذا الموقف المعاد لليهود والمخالف لهم في الأصول والفروع و الذي يفترض أن يصير سجية فينا لا تبدلها المصالح ولا المخاوف.
ولو أننا آمنا وطبقنا إيماننا لكان خيرا لنا، فإن كان الإيمان حاصلًا فينا فلوازمه غائبة عنا، فأي إيمانٍ هذا الذي ندعيه اسما، لننساه بعد ذلك فعلا، فرضًا وسنة.