، فالله عدوه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح. ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره [انه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه، ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا الطريق هذا معك، إذ أتيتهم من عند الله بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم إتباعك حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه. ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان عليه السلام.
ثم نزه الله نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا. ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان احد حتى ينصحاه بأنهما ابتلاء واختبار، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر. ثم ذكر قصارى ما يتعلمون منهما هو التفريق بين المرء وزوجه. ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار والنافع. ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسه ومتعلمه. ثم أخبر أنهم علموا بحقيقة الضرر، وأن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة. ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله على الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان و التقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك وأن جميع ما اجترحوه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفى على آثاره جرّ ذيل الإيمان ويبدل بالإساءة جميل الإحسان. (1)
ما ترشد إليه الآيات:
*- التوراة كتاب الله الذي أنزله على موسى عليه السلام، والقرآن مصدق للتوراة.
*- نبذ اليهود التوراة ولم يعملوا بما فيها، كما نبذ أخلافهم القرآن الكريم.
*- سليمان عليه السلام كان نبيا ً ملكا ً، ولم يكن ساحرا ً محترفا ً للسحر.
*- الشياطين زينوا للناس السحر، وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب.
*- السحر له حقيقة وتأثيرعلى النفس، حتى يستطيع الشخص بواسطته أن يفرق بين الرجل وأهله.
*- الله جل ثناؤه يختبر عباده بما شاء من الأمور ابتلاءً وتمحيصا ً.
*- من تبدل السحر بكتاب الله فليس له في الآخرة نصيب من رحمة الله.
*- مدار الثواب والجزاء في الآخرة هو الأيمان بالله تعالى وإخلاص العمل له. (2)
واقع الحال:
ليس حال اليهود السابقين بأعظم من حالنا في هذه الأيام، فإننا نجد من هذه الأمة من صدق بهذه الأمور وذهب إلى العرافين، وسمع كلامهم وصدقهم، وعمل بما أمروه به، ظانٌ أنهم يستطيعون أن يغيروا من أحواله لما هو خير له، متناسي أن الأمر كله بيد الله، وأنه هو الضار والنافع.