فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 534

واستدل أبو حنيفة بما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"ما بين المشرق والمغرب قبلة." [1]

ولكن جمهور العلماء حملوا هذا الحديث، كما حملوا أدلة الحنفية جميعًا، على من لم يشاهد الكعبة، أما من كان في المسجد وعاين البيت فيجب عليه التوجه إليه بعينه ولا تكفي الجهة.

وقوله تعالى: ?فول وجهك شطر المسجد الحرام دلالة واضحة على أن المراد الناحية والجهة وليس إصابة عين الكعبة في الصلاة وخاصة من البعيد الذي يصعب بل يتعذر عليه ذلك أحيانًا.

وذهب القرطبي إلى ترجيح مذهب الإمام مالك ومن وافقه، في أن المصلي عليه أن ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده مستدلًا بهذه الآية لأنه لو حنى رأسه ونظر إلى موضع سجوده، فإنه لا يكون موليًا وجهه شطر المسجد الحرام، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج.

وذهب جمهور العلماء إلى أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده وقد أخرج البيهقي والحاكم أن عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض. [2]

11)ذهب بعض العلماء إلى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان مخيرًا في التوجه إلى بيت المقدس في صلاته قبل نزول هذه الآيات: واستدلوا بقوله تعالى: ?ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله البقرة: 115.

كما استدلوا بالخبر الذي جاء فيه نفر قصدوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون وقالوا: إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: قد كنت على قبلة -يعني قبلة بيت المقدس- لو بقيت عليها أجزأك، ولم يأمره باستئناف الصلاة، فدل على أنهم قد كانوا مخيرين. ولكن الصحيح أنه -عليه الصلاة والسلام- كان مأمورًا بالتوجه إلى بيت المقدس ولو كان مخيرًا لاختار الكعبة من أول الأمر.

والآية صريحة: ?فلنولينك قبلة ترضاها. وأما خبر البراء بن معرور -رضي الله عنه- فلا يصلح حجة في المسألة، لأنه ظن أن ذلك يجزئه وعدم الأمر بإعادة الصلاة لا يعني صحة

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 205، والترمذي في سننه رقم (344) وابن ماجة (1011) والحديث صحيح بطرقه.

(2) صفة صلاة النبي، ص46، الألباني (عزاه للبيهقي والحاكم وقال فيه: له شاهد من حديث عشرة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- نيل الأوطار 2/ 204، باب نظر المصلي إلى موضع سجوده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت