ثم قال: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} أي: نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم، فذكر اللَّه -تعالى- في هذه الآية ما يحل من النساء، وما يحرم كما ذكر تحريم حليلة الأب، فحرم اللَّه سبعًا من النسب وستًا من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة وهي الجمع بين المرأة وعمتها ونص عليه الإجماع، ثم سرد المحرمات على النحو السابق، ثم قال: قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن؟ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وبهذا قول جميع أئمة الفتوى بالأمصار، وقالت طائفة من السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى، قالوا: ومعنى قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} أي: اللاتي بهن دخلتم، ثم قال: وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق في ذلك، وقالوا: لو وطئها بزنا أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها، وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، ثم قال: قوله تعالى:
{وَأُمَّهَاتُكُمُ} تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم فيه، وكذلك تحريم البنات والأخوات، ومن ذكر من المحرمات ثم قال أيضًا: أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء؛ كان مع العقد وطء أو لم يكن لقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ، ولقوله: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ، فإن نكح أحدهما نكاحًا فاسدًا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح.
ونقل عن ابن المنذر: إجماع علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده، وقال أيضًا: قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} عطف على المحرمات والمذكورات قبل.