قال ابن حجاج: وأما ما حكي أن قومًا من السلف أجازوا ذلك فلا يصلح مع ما ذكره من إضافته إليهم بل يحمل على سوء ضبط النقلة والاشتباه عليهم فإن الدبر اسم للظهر؛ قال تعالى: {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} وقال: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أي ظهره والمرأة تؤتى من قبل ومن دبر أي، أنها تؤتى من جهة الظهر في قبلها.
2 -ثبت عن ابن عمر خلاف ذلك حيث قطع بالتحريم وهو الأولى أن يقدم في المسألة:
فعن أبي النضر أنه قال لنافع: قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن! قال نافع: لقد كذبوا علي؛ ولكن سأخبرك كيف كان الأمر؛ إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قال: يا نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا فإذا هن قد
كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل اللَّه {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
قال ابن القيم: فهذا هو الثابت عن ابن عمر، ولم يفهم عنه من نقل عنه غير ذلك.
قلت: وفي هذا تصريح من نافع أنه نفى أنه روى عن ابن عمر بجواز الإتيان في الدبر وهو الأولى أن يقدم في هذه المسألة، ووضح من هذا أيضًا ما جاء عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن, قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن! قال: أف أويفعل هذا مسلم!!!.
قال ابن القيم: فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الإتيان في الفرج من ناحية الدبر، وهو الذي رواه عنه نافع وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل الوطء لا طريقًا إلى وطء الفرج فكذبهم نافع، وأيضًا إنه إن كان قد حفظ عن ابن عمر أنه رخص في الإحماض للجواري؛ فإنما مراده إتيانهن من طريق الدبر، فإنه قد صرح في الرواية الأخرى بالإنكار على من وطأهن في الدبر وقال أو يفعل هذا مسلم؟ فهذا يبين تصادق الروايات وتوافقها عنه.