فلم يوجد تقديسٌ لشخصٍ بعينه، ولا احتج بعضهم على بعض بأنه لا إنكار فِي مسائل الخلاف، بل تم الإنكار، ولكن وجود الإنكار لم يقضِ على الخلاف، بيد أن أخوة الإسلام وحقوقها وواجباتها، ومعرفة كل ذي فضلٍ فضله بقيت لم تمس، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي:"ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا فِي أحكام الدين ولم يفترقوا، ولم يصيروا شيعاً، لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فما أُذِن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً، واختلفت فِي ذلك أقوالهم فصاروا محمودين، لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به ... وكانوا مع هذا أهل مودةٍ وتناصحٍ، أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة ... ودليل ذلك قوله تعالى: (( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) ) (آل عمران: 103) فإذا اختلفوا، وتقاطعوا كان ذلك لحدثٍ أحدثوه من اتباع الهوى" ( [93] ) ،"وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا فِي الأمر اتبعوا أمر الله تعالى فِي قوله: (( إِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ) (النساء: 59) ، وكانوا يتناظرون فِي المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم فِي المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين" ( [94] ) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحمد لله رب العالمين. انتهى انتهى. {لا إنكار فِي مسائل الخلاف/ للدكتور عبد السلام مقبل المجيدي}