ومنها ما رواه أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا ؛ أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ ؟ قَالَ:"تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ" ( [88] ) ، وفي لفظ قال:"تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ" ( [89] ) ، وفي رواية:"فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةٌ" ( [90] ) .
فقوله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك"ثبت حقيقة الأخوة الإسلامية قبل كل شيء ، ثم على خطٍ موازٍ لها ومبينٍ لبعض حقائقها أمر بنصرة الأخ المسلم أياً كان: تلميذاً أو شيخاً أو حزباً أو جماعة أو أميراً أو مأموراً ، وجعل من أهم حقائق نصرته أن يحجزه عن خطئه ، وينهاه عن ظلمه وهذا هو التقويم للعوج ، والنصح والإنكار مع بقاء حقوق الأخوة بل جعل هذا من حقوق الأخوة... وسمى الخطأ الذي يقع فيه أخوه المسلم ظلماً ، لأن الظلم هو وضع الشيء فِي غير موضعه ، سواء كان قولاً أو رأياً أو فعلاً.
وقد تجسدت هذه المعاني التي تنطوي عليها هذه القاعدة فِي كثير من النماذج التطبيقية ، التي تقدم بجلاء ووضوح صورة المجتمع الإسلامي الراشد وهو يجمع بين هذه القيم الرفيعة ، من مثل ما حدث بين عمار بن ياسر وأبي موسى الأشعري من جهة ، وبين عمر بن الخطاب وابن مسعود من جهة أخرى ، رضي الله عنهم جميعاً ، حيث أنكر عمار بن ياسر على عمر بن الخطاب فتواه بعدم تيمم الجنب ، وأنكر أبو موسى على ابن مسعود الفتوى ذاتها ، ودار بين الجميع حوار قمة فِي المثالية والواقعية: