استوعب الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فقه الاختلاف ، فلم يفسد الخلاف بينهم المعالم الإسلامية القطعية ، مثل: الأخوة الإسلامية بحقوقها من حب ومودة ونصرة وتعاون ، فأعملوا فِي ذلك قاعدة (لا إنكار فِي مسائل الاجتهاد) فِي موضعها فلم تمزق لهم وحدة ، ولا شققت لهم أخوة.
ولم يتركوا النصح فيما بينهم والحوار والمجادلة بالتي هي أحسن ، ورد الخطأ ، والتنبيه عليه عندما يظهر فِي اجتهاد أحدهم ، ولم يجعلوا قاعدة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) على إطلاقها تستعلي على النصوص ، وعلى المحكمات الشرعية لمجرد ظهور خلاف فلان منهم فيها ، مع التماس العذر له فِي خلافه من سهوٍ أو نسيانٍ أو عدم بلوغ دليل .
لقد تمت عملية تطبيعٍ تربوية للصحابة بشأن عدم التنافي بين الإنكار وبين بقاء عاصم الأخوة وحقوقها ، وبقاء جلالة قدر كل من الطرفين عند الطرف الآخر ( [77] ) .. لذلك فإن المتأمل فِي مواقف بعض الصحابة ، مما ورد فِي ثنايا هذا البحث وأقوالهم وعباراتهم التقويمية فِي الإنكار ، بعضهم على بعض ، وأساليبهم الراقية فِي التعامل مع الخلاف ، يخلص إلى ما يأتي مما يمكن تسميته ،"آداب التذكير والإنكار فِي المسائل الاجتهادية":
1 -قد يسمع المرء النص ، ويعرفه ، ولكنه لا يتقن حفظه ، فيبين الآخر أن هذا هو عذره ، وهذا كما قالت السيدة عائشة ، رضي الله عنها ، فِي ابن عمر رضي الله عنهما: رحم الله أبا عبد الرحمن! سمع شيئاً فلم يحفظه.
2 -قد يسمع المرء النص ، ويعرفه ، ولكنه لا يفهم كيفية الجمع بينه وبين نصٍ آخر إلا بهيئة غير صحيحة ، كما حاول ابن عمر الجمع بين أن تكون آخر صلاته من الليل وتراً ، وبين حبه التنفل إن قام من نومه ، فيضيف إلى الوتر فِي أول الليل ركعة أخرى لتصبح شفعاً ، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها فِي الإنكار عليه: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنه ليلعب بوتره.