-وقال سلمان الفارسي:"كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، ودنيا تقطع أعناقكم ؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم ، وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان ، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان ، وأما مجادلة منافقٍ بالقرآن فإن للقرآن مناراً كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا فكلوه إلى الله تعالى ، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم".
-وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ويلٌ للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك ؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيترك قوله ثم يمضي الأتباع" ( [73] ) أي يمضون على قوله الأول.
-ومثل ذلك تحذير أهل العلم من نوادر العلماء...وهي الشواذ ، وفيها قال أبو بكر الآجري:"فليس ينبغي إذا زل بعض من يُشار إليهم زلة أن يُتبع على زلله ، هذا قد نهينا عنه ، وقد خيف علينا من زلل العلماء" ( [74] ) .. وقد بوب ابن عبد البر لذلك ، فقال: باب فِي خطأ المجتهدين من المفتين والحكام ( [75] ) ، ومن كلامه السائر فِي هذا الموضع:"شبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة ، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير" ( [76] ) .
وهذه الآثار الجليلة ، التي نرى فيها أساطين العلم والتربية من الصحابة وكأنهم يوشكون على الاتفاق حول ألفاظ بعينها فِي التعبير عن معنى واحد ، توضح لنا جملة حقائق ، منها:
1 -أن العالِم بشر كسائر البشر ، فليس كل ما صدر منه هو الهدى ، أو الفعل الحق ، أو القول الفصل... بل هو مجتهد فِي إصابة الحق ، فقد يصيبه فيؤجر أجرين ، وقد يُخلفه فيؤجر أجراً واحداً... وهذا يجعل متابعيه وسائليه - من غير العامة المقلدين - يتبصرون فِي أقواله ويوازنون فِي فتواه بين أدلته وأدلة غيره ، ثم ينظرون أيهما الحق.