1 -أن عبارة الماوردي تدل على ترك الإنكار فِي المختلف فيه حيث قال:"ما اختلف الفقهاء فِي حظره وإباحته"، لكن استثناءه دالٌ على أنه يريد أن ثمة مسائل خاصة من مسائل الخلاف لا بد من إنكار القول الآخر فيها إن كان ضعيفاً أو شاذاً ، وأن بعض مسائل الخلاف التي يقوى فيها دليل كل طرف فلا إنكار فيها ، ولنصطلح على تسمية هذا النوع الذي يقوى الخلاف فيه بـ"مسائل الاجتهاد"، وذلك لأن إجهاد الذهن فيها مطلوب لمعرفة أقرب الأقوال إلى نص الشارع ومقاصد التنزيل والشريعة ، لعدم ظهور نص أو إجماع أو قياس جلي فيها.
2 -أن الإنكار المنفي هنا إنما هو عن غير من له ولاية الحسبة ، فأما من له ولاية الحسبة فله حق الإنكار على أحد الوجهين لما يترجح عنده أنه منكر.
3 -أن ما ضعف الخلاف فيه ينكر ، وهذا يدل على تقسيمهم مسائل الخلاف إلى قسمين ، وإن لم يصطلح أهل العلم هنا على تسمية مستقلة لكل قسم.
القول الثاني: معيار الإنكار فِي مسائل الخلاف هو مذهب المحتسَب عليه:
وصرح بهذا الإمام الغزالي ، رحمه الله تعالى ، حين ذهب إلى أن من شروط الإنكار:"... أن يكون كونه منكراً معلوماً بغير اجتهاد ، فكل ما هو فِي محل الاجتهاد فلا حسبة. فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية ، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ غير المسكر ، وتناوله ميراث ذوي الأرحام ، وجلوسه فِي دارٍ أخذها بشفعة الجوار. نعم لو رأى الشافعي شافعياً يشرب النبيذ ، وينكح بلا وليٍ ويطأ زوجته فهذا فِي محل النظر ، والأظهر أن له الحسبة والإنكار ..." ( [6] ) ، وتابعه الشيخ زكريا الأنصاري فِي كتابه"أسنى المطالب"إلا أنه استثنى من ناحية عملية بعض المسائل المختلف فيها كشرب النبيذ فإن"أدلة عدم تحريمه واهية" ( [7] ) على حد تعبيره ، وهذا يدل على شعوره بأن قاعدة (لا إنكار فِي مسائل الخلاف) لا تنطبق على كل مسألةٍ مُخْتَلَفٍ فيها.
وبذلك فإن الإمام الغزالي يرى: