وأما العقل ، فإن كل ما سبق يطبع العقل على وجود الخلاف ، حتى أن الشخص الواحد قد يخالف رأياً ارتآه بالأمس فِي دليلٍ شرعي ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فِي مسألة (المُشَرِّكة) حيث اختلف قضاؤه فيها عنه قبل عام: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي ( [51] ) .
واستقرار حقيقة عدم زوال الخلاف بين الناس يوسع صدور المسلمين لاحتماله ( [52] ) خاصةً ما كان سائغاً ، وينبغي أن تقوم مناهج التربية على تطبيع المسلمين على هذه الحقيقة وتقبلها ، والتعامل معها وفق الشرع بمختلف أقسامها.
ويظهر من كلام من تشدد فِي ذم الخلاف مطلقاً أنه يعني النزاع والفرقة وليس مجرد الاختلاف فِي الرأي مع بقاء عصمة الأخوة وحقوقها ( [53] ) بل إن الاختلاف قد يكون نعمةً فِي ذاته ما دام فِي حدوده المنضبطة لم يخرج إلى نزاع أو اقتتال ، ولذا ألف السيوطي كتابه: (جزيل المواهب فِي اختلاف المذاهب) .