ويمكن إزالة بعض الخلاف بزوال أسبابه ، يمكن تحويل عددٍ كبيرٍ من مسائل الاختلاف إلى مسائل اتفاق ؛ إذ أن سبب الخلاف فيها عائد إلى الطبيعة البشرية فِي عدم الإحاطة بالعلم كله ، فإذا كان سبب الخلاف غياب النص عن أحد الطرفين ، أو أخذه بجزئية فِي مفهوم نصٍ مع احتماله لغيره ، فيمكن إبراز النص لمن علمه فيختفي الاختلاف ، وهذا ما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه ، فيحيلون كثيراً من مسائل الخلاف إلى مسائل اتفاق بعد وضوح النص عند من حفظه ، كما فِي حادثة الطاعون المتقدمة ، وأشار الشافعي إلى هذين الأمرين فقال:"الناس مختلفون فِي هذه الأشياء ، وفي كل واحد منها كتاب أو كتاب وسنة. قال: ومن أين ترى ذلك ؟ فقلت: تحتمل الآية المعنيين فيقول أهل اللسان بأحدهما ، ويقول غيرهم بالمعنى الآخر الذي يخالفه ، والآية محتملة لقولهما معاً ، لاتساع لسان العرب ؛ وأما السنة فتذهب على بعضهم وكل من ثبتت عنده السنة قال بها ، إن شاء الله ، ولم يخالفها ، لأن كثيراً منها يأتي واضحاً ليس فيه تأويل" ( [49] ) .
وعلى الرغم من عدم إمكانية زوال الخلاف فِي الرأي مطلقاً ، إلا أنه قد يوجد فِي الاختلاف المنضبط مقاصد شرعية ؛ فالخلاف فِي الرأي لم يزل منذ خير القرون ، لذلك فتصوُّر بعضهم أنه يمكن إزالة هذا الخلاف هو مما ينافي الشرع ، والطبيعة ، والواقع ، والعقل.
أما الشرع ، فظاهرٌ أن الله سبحانه وتعالى شرع بعض الأحكام التي تختلف فيها اجتهادات البشر ، كما تختلف فِي استنباط دلالات نصوها ، وهي غير المحكمات الشرعية القطعية ، وهذا بحد ذاته دالٌ على جواز الاختلاف ( [50] ) لا على جواز إرادة الخلاف.
وأما الطبيعة ، فلأن الله تعالى جعل الاختلاف فِي الأرزاق من آياته فِي طبيعة الناس ، ومنها رزق الذكاء والذاكرة وقوة الفهم والحفظ.
وأما الواقع ، فإن واقع الصحابة ، وهم خير القرون ، يقول: بأنهم اختلفوا ، فكيف غيرهم ؟