لذلك يمكن القول: إن اختلاف وسائل العمل الإسلامي ، من اختلاف التنوع ؛ فمن المسلمين من ينهد لإحياء العلم الشرعي ، ومنهم من ينهد للجهاد فِي سبيل الله ، ومنهم من ينهد لإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنهم من ينهد لنفع الناس وقضاء حوائجهم والتخفيف من كرباتهم... ومما يعبر عن ذلك أصدق التعبير أن الله تعالى قال: (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ) ) (التوبة: 122) فذكر قوماً نفروا للجهاد فِي سبيل الله ، وبيَّن أن المؤمنين لن ينفروا له كافة وما كان لهم ذلك ، شرعاً وقدراً ، وأنه ينبغي أن تنفر فئة منهم لطلب العلم وبثه بين الناس ، واستحداث الوسائل المساعدة على تحقيق ذلك الهدف.
وأما اختلاف التضاد ، فينقسم إلى سائغ وغير سائغ ، وهو ليس مذموماً على إطلاقه ، ولكن المحرم منه نوعان:
أحدهما:"كل ما أقام الله به الحجة فِي كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم منصوصاً بيِّناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه" ( [47] ) ، فإن الله تعالى يقول:
(( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيّنَةُ ) ) (البينة: 4) ، وقال جل ثناؤه: (( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ ) ) (آل عمران: 105) "فذم الاختلاف فيما جاءتهم به البينات" ( [48] ) .
وثانيهما: كل بغيٍ ينشأ عن اختلافٍ لا بد منه كاختلاف التنوع أو اختلاف الاجتهاد فيما يجوز فيه الاجتهاد... فالمنع هنا للنتيجة وإن كانت المقدمة صحيحة ، وذلك لقطعية الأخوة الإسلامية فِي مقابل الظنون التي تنشأ عن الاجتهادات.