ويقول القاسم بن محمد:"لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي أعمالهم ، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلاَّ رأى أنه فِي سعة ، ورأى أن خيراً منه قد عمله" (الاعتصام للشاطبي ، 2/170) .
ويقول ابن تيمية ، رحمه الله:"وأما الاختلاف فِي الأحكام فأكثر من أن ينضبط ، ولو كان كلما اختلف مسلمان فِي شيء تهاجرا ، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة" (الفتاوى ، 24/173) .
ويقول الشاطبي ، رحمه الله:"فإن الله حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون ، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة ، فالظنيات عريقة فِي إمكان الاختلاف ، لكن فِي الفروع دون الأصول ، وفي الجزئيات دون الكليات ، فلذلك لا يضرها هذا الاختلاف" (الاعتصام للشاطبي ، 23) .
ويقول الزركشي ، رحمه الله:"اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة ، بل جعلها ظنية قصداً ، للتوسيع على المكلفين ، لئلا ينحصرون فِي مذهب واحد لقيام الدليل القاطع" (الاختلافات الفقهية ، البيانوني ، 23) ( [1] ) .
والكتاب الذي نقدمه ، يمكن أن يعتبر محاولة جادة للتأصيل والتأسيس الشرعي ، وبيان مشروعية الخلاف ، واستيعاب هذه الإشكالية ، وتقديم نماذج من خير القرون لكيفية التعامل معها ، والتي يمكن أن تصنف على رأس الإشكاليات التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر ، حيث يتجلى عجزه عن التعامل مع آثار هذه الإشكالية فِي المجالات المتعددة ، من فقهية وفكرية وثقافية ، وعلى الأخص فِي أيام الأزمات التي قد تتطلب نوعاً من الفكر الدفاعي ، الذي يمكن أن نطلق عليه"فكر الأزمة"أو"فكر التعامل مع الأزمة"، والذي بدأ يعمم على الحالات والمراحل كلها ، ليوقع المسلم بالتعصب والانغلاق ، أو ما يسمى"بأزمة الفكر".