وهنا يمكن القول: بأنه بالإمكان الاجتهاد فِي مورد النص ، أي فِي محل تنزيله ، والنظر فِي توفر الشروط للتنزيل ، فإذا لم تتوفر الشروط فقد ينزل حكم آخر على الواقعة ، وهذا لا يعني إلغاء الحكم الشرعي أو تعطيله ، وإنما يعني أن شروط تنزيله لم تتوفر ، وهذا مجال واسع وخصب لتعدد الآراء ووجهات النظر والاجتهاد ، لأن تنزيل الأحكام الشرعية المحكمة على غير محالها إساءة للمحل ، واهتزاز لليقين بجدوى الحكم الشرعي ، ونجاعته ، فباب الاجتهاد والنظر واسع وواسع جداً فِي إطار القيم الإسلامية ، ولا أدل على ذلك من هذا العطاء الكبير العظيم المتنوع ، الذي على تباينه واختلافه لم يخرم حقوق الأخوة ، ولم يؤد إلى البغي.. إنه علم مرتبط بأهدافه وأخلاقه وآدابه.
ولقد كان ذلك واضحاً ابتداءً من جيل الصحابة واختلافهم فِي وجهات النظر والاجتهاد ، والرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وإقراره صلى الله عليه وسلم ذلك ، كما بقي واضحاً فِي أذهان الرواد طيلة مسيرة الأمة الثقافية ، ولم يحصل الضيق به إلا فِي فترات التعصب وذهاب العلم وسيادة التقليد.
يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً ، وإذا اختلفوا فأخذ رجل يقول هذا ورجل يقول هذا كان فِي الأمر سعة" (مجموعة الفتاوى لابن تيمية ، 30/80) .
ويقول إسماعيل القاضي ، فيما نقله ابن عبد البر:"إنما التوسعة فِي اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة فِي اجتهاد الرأي ، فأما أن تكون توسعة لأن يقول إنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا" (جامع بيان العلم ، 2/82) .