-وأسباب الوضع والانتحال، واختلاط الأمور، والادعاء على الرسول صلى الله عليه وسلم والاختلاف حول ما ينسب إليه من قول أو فعل أو تقرير، هو الذي أدى إلى هذا العمل العظيم من علم مصطلح الحديث، وبيان العلل، وتحديد أسباب الوضع، وبروز علم الإسناد، ومعايير الجرح والتعديل.
-واللحن فِي اللغة وفشو الخطأ، هو الذي أدى إلى تقعيد القواعد ووضع علم النحو والصرف.
وهكذا سائر فنون العلم والمعرفة، تجيئ غالباً ثمرة لجدلية التباين والخلاف والتحدي، حيث يجتهد كل فريق للتدليل على صوابية قوله ورأيه، وهذا سبيل النمو الذهني.
ويمكن القول: بأن هذا الكم الهائل من العطاء الفكري والفقهي والمذهبي والمنهجي فِي التراث الإسلامي، ما هو إلا ثمرة لحرية التفاكر والخلاف والتنافس، ولا أعتقد أن أي دين أو أية عقيدة شكلت قيمها محرضاً ثقافياً وفكرياً كحال العقيدة الإسلامية وكتابها الخالد القرآن، الذي كان الأساس الذي تمحورت حوله سائر الجهود الذهنية، وبقيت على تباينها واختلاف مناهجها مقرة بمشروعيته العليا.
وليس أمر البيان النبوي بأقل شأناً فِي تنمية الجهود الذهنية، على المستويات المتعددة، حسبه أنه بيان القرآن الكريم وتنزيل أحكامه على واقع الحياة.
وقد يكون من الأبجديات الأولى فِي رحلة الإيمان، الاعتقاد بأن البشرية جميعاً أبناء أسرة واحدة، قال تعالى: (( يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ ) ) (النساء: 1) ، وأن الاختلاف واقع فِي أصل الخلق، وقال تعالى: (( ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ ... ) ) (الحجرات: 13) .