كم نحن بحاجة اليوم إلى الاعتراف بالاختلاف ، والتيقن من سر أنه الخلق ، وفطرة الله التي فطر الناس عليها ، وأنه لا سبيل إلى تبديل خلق الله ، سواء على مستوى الذات أو (الآخر) ، وأن كرامة الإنسان أصلاً منوطة بأنه أهلٌ لحرية الاختيار ، وليس مبرمجاً على الطاعة وعدم المعصية كالملائكة ، وأن هذا الاختيار يمكن أن يؤدي به إلى الطاعة أو إلى المعصية ، وأن المسؤولية الشرعية هي فرع لحرية الاختيار ، وأن ممارسة الأهلية والإنسانية (الاختيار) تعني القبول بالتباين والاختلاف فِي وجهات النظر ، تبعاً للتباين بالمواهب والإمكانات والكسب العلمي والمعرفي ، وهكذا سنة الحياة ، إذ تستحيل الحياة وتصبح لا معنى لها ، ولا تدفق لمجراها ، إذا كان الناس جميعاً نسخة مكررة ، ولا أدل على ذلك من الحال التي انتهت إليها الأنظمة الشمولية والدكتاتورية ، حيث فشلت وسقطت ؛ لأنها أرادت أن يكون الناس نسخة مكررة من التجمد والتخلف والتقليد والتراجع ، لأنها لم تسمح إلا أن يكون الناس نسخة مستنسخة أو مكررة عن الزعيم ، وهذا ضد الطبيعة البشرية ، وضد سنن الحياة وسبل نموها ، وبناء الحضارة ، وقيام العمران الإنساني.
ولعلنا نقول: بأن الخلاف والتنوع الواقع تاريخياً فِي الحياة الإسلامية ، كان وراء هذا الإنتاج الضخم من التراث العلمي والثقافي وإنضاج الكثير من المناهج والقواعد والعلوم:
-فاختلاف أهل الكتاب فِي كتابهم ، وما انتهت إليه حالهم ، وتعاملهم مع النص الإلهي ، هو الذي أدى إلى الفزع على النص القرآني ، ودعا المسلمين ، بعد معركة اليمامة ، إلى جمع القرآن.
-والاختلاف حول حدود النص القرآني ، هو الذي أدى إلى نسخ القرآن ، واعتماد ما اصطلح على تسميته"بمصحف الإمام"زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه.