ولا بأس من التذكير هنا بأن بعضنا ، لسوء تقديره وخطأ قراءاته للأمور وتداعياتها ، وما يترتب عليها من العواقب ، تغلب عليه ذهنية الاستسهال ، فيقوده ذلك إلى اقتحام المسالك الصعبة ويتمنى لقاء العدو ، دون إعدادٍ أو استعداد ، وتستهويه الرايات العمِّيَّة ، المهم بالنسبة له أن يفرغ حماسه فِي المجازفات ودخول المعركة دون استبانة أو بصيرة لسبيلها أو تقدير لعواقبها.
وبعضنا الآخر تغلب عليه ذهنية الاستحالة ، فيرى الأمور على غاية من الصعوبة ، فهي عنده مستحيلة ، ولا يبصر منها إلا آثارها السلبية التي تحاصره ، وتحيط به من كل جانب ، فيقع فِي حالة من اليأس والعجز والشلل وفقدان الأمل ، وتعمى عليه الأمور ، وتحول حالة العجز واليأس بينه وبين رؤية دوائر الخير فِي الحياة والمجتمع والواقع ، وحتى فِي المستقبل ، وسبيل الدخول إليها ، وكيفية التوسع فيها ، والتعامل معها.
وقد تكون هذه الظواهر فِي أصلها طبيعة فِي البشر ، ونتيجة لأنواع مختلفة من المعاناة والتربية والثقافة ، والتوارث الاجتماعي وغير ذلك من العوامل التي يصعب حصرها فِي هذه العجالة.. وكم كنا نتمنى أن يؤدي الخلاف فِي وجهات النظر للقضايا ، والتنوع فِي النظر إليها والحكم عليها ، أنواعاً من الحوار والنقاش والمثاقفة والمحاورة والمشاورة والمراجعة ، لينتج ذلك منهجاً وسطاً متوازناً سننياً ، يحيط بعلم الأشياء ، ويجتهد فِي النظر إلى عواقبها ، ويحسن تقدير الإمكانات وكيفية توظيفها ، واغتنام الفرصة التاريخية.
ولا بد من الاعتراف بأن الحوار والمناقشة والمشاورة مهما بلغ لا يمكن أن يقضي على التباين فِي وجهات النظر ، وإنما يضيِّق مداها ويُسهم بالوصول إلى المساحة الأكبر من التفاهم وبناء المشترك البشري وزيادة دائرة التفاهم.