حتى على ساحة الإيمان الواحد نجد المؤمنين، الذين اصطفاهم الله واختارهم لوراثة النبوة، قد جعل منهم الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات بإذن الله .. هذا التنوع وهذا التفاوت، إذا أحسنت إدارته، يشكل نوعاً من التنافس ويصبح من أهم المحرضات الثقافية والحضارية، وميداناً للاستباق بالخيرات، لدرجة يمكن القول معها: إن هذا التفاوت والاختلاف هو المهماز النفسي والعلمي لتحريك عجلة التنمية، فجدلية الحياة دائمة المدافعة بين الخير والخير، والشر والشر، والخير والشر: (( كَذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الاْرْضِ ) ) (الرعد: 17) ، فلولا هذا الضرب لما طفا الزبد ولما انقشع ولما عُرف الحق؛ وقال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ الْمُجْرِمِينَ ) ) (الفرقان: 31) .. فالشر من لوازم الخير، وهذه جدلية الحياة: (( وَلِذلك خَلَقَهُمْ ) ).
والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي كان أنموذجاً يُحتذى فِي استيعاب الخلاف وقبوله، وحسن قيادته وإدارته، وتحويله من ظاهرة فرقة وتنابذ إلى وسيلة قوة ووحدة وتكامل وتنافس فِي الكسب.
لقد عَرَف صلى الله عليه وسلم منازل أصحابه رضوان الله عليهم وإمكاناتهم، فكانت المهمات التي يكلف بها متناسبة مع المواهب والمؤهلات، وكان من تعاليم النبوة إنزال الناس منازلهم .. قَبِل صلى الله عليه وسلم بوجهات النظر المتعددة، وأقرها جميعاً، طالما أنها فِي إطار الفهم الصحيح، وحضهم على الاجتهاد، ورعى هذا الاجتهاد، ودرَّب عليه، بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، خاصة وأن ما أنزل عليه من القرآن حمال أوجه كما قال سيدنا علي رضي الله عنه، ذلك أن هذه الأوجه سوف تثمر خلافاً وتنوعاً، وفي ذلك إثراء للحياة العقلية وغنى فِي الاجتهاد والنظر.
وبعد: