وحيث إن الناس يتفاوتون فِي إدراكهم، وكسبهم العلمي، ومدى رسوخهم فِي المعرفة، وتجربتهم، وتضلعهم فِي اللغة، واختلاف ميولهم ومؤهلاتهم، وتباين قدراتهم، بما يمكن أن نطلق عليه مصطلح"الفوارق الفردية"فيصبح الاختلاف ثمرة لذلك كله، الأمر الطبيعي الفطري الذي يصعب القضاء عليه أو التحرز منه .. وغاية ما يمكننا من المعالجة لقضية الخلاف والتعامل معها إنما يكون بوجود مناهج وأصول لضبط فهم دلالة الآيات المتشابهات بدلالة الآيات المحكمات، إلى جانب توفر صفات وخصائص أدب الخلاف، والحوار، والالتزام بخلق المعرفة، والتسليم بأن ذلك الاختلاف واقع فطرة من الله سبحانه وتعالى: (( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذلك خَلَقَهُمْ )) (هود: 118 - 119) ، (( الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ ) ) (التغابن: 2) .
لذلك نرى عملياً أن المؤمنين درجات والكفار درجات، لقد خلق الله الناس متفاوتين لتتكامل الحياة ويستقيم أمرها، إذ لا يمكن أن يتصور الإنسان أن يكون الناس نسخة مكررة، أو نمطية واحدة عن بعضهم بعضاً، ذلك أن الأعمال والأفكار والمدركات متفاوتة فِي هذه الحياة، والخلق متفاوتون، سواء كان ذلك بأصل الخلق، أم بطبيعة الكسب، وبذلك فكأن بين الحياة بآفاقها وأعمالها المتفاوتة، وبين الناس بفوارقهم الفردية ومهاراتهم المتنوعة، تواعد والتقاء و"كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (أخرجه البخاري) .