هذه الآية استئناف مبين لعادتهم في نفي الشبه عن أَنفسهم، حتى لا يؤاخذوا بقول أو عمل ضد المؤمنين ومن ذلك شهادتهم بأَنهم لم يقولوا ما نسب إِليهم، فالشهادة منهم في حكم اليمين، وقد أَفادت الآية أَن المنافقين اتخذوا أَيمانهم الكاذبة سترة ووقاية عما يتوجه إِليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبي أَو غير ذلك قال قتادة: كلما ظهر عليهم ما يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين عصمة لأَموالهم ودمائهم، وقال الآلوسي: ويجوز أَن يراد بأَيمانهم شهادتهم السابقة والشهادة وأَفعال العلم واليقين أَجرتها العرب مجرى القسم، وتلقتها بما يتلقى به القسم، ويؤكد بها الكلام كما يؤكد به، فلهذا يطلق عليها اليمين، ونحن نقول: إِن الكلام السابق أَعم وأَشمل، فتدخل فيه الشهادة كسائر الأَيمان، فإِنهم لم يتخذوا الشهادة الكاذبة وحدها سترة لهم، بل جميع أَيمانهم.
والمعنى الإِجمالي للآية: اتخذ المنافقون أَيمانهم الكاذبة سترة ووقاية لهم من العقاب الذي يقتضيه ما نسب إِليهم، فصدوا من أَراد الدخول في الإِسلام أَو فعل الطاعة مطلقًا أَو أَعرضوا عن الإِيمان الذي هو السبيل إِلى الله، إِنهم قبح ما كانوا يعلمون من النفاق وآثاره.
3 - {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) } :
ذلك الذي حدث من المنافقين ضد الإِسلام والمسلمين، حاصل بسبب أَنهم آمنوا باللِّسَان ثم ظهر كفرهم بالقلب وتبين بما علم من قولهم: إِن كان ما يقوله محمد حقًّا فنحن حمير وقولهم في غزوة تبوك: أَيطمع هذا الرجل أَن تفتح له قصور كسرى وقيصر وغير ذلك، وأَصروا على النفاق، فختم الله على قلوبهم وأَغلقها على الكفر، فهم لا يفقهون عظمة الإِسلام وآثاره الجليلة في الدنيا والآخرة، فلذلك نافقوا وضلوا عن سواء السبيل، والله أَعلم.
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) }
المفردات:
(تُعْجِبُكَ) : تروقك وتحسن في عينك.