ثم تصرف الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحادث تصرف القائد الملهم الحكيم . . وأمره بالسير في غير أوان , ومتابعة السير حتى الإعياء , ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين:يا للأنصار ! يا للمهاجين ! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبدالله بن أبي بن سلول , وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان . . وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع أسيد بن حضير , وما فيه من تعبئة روحية ضد الفتنة , واستجاشة للأخذ على يد صاحبها وهو صاحب المكانة في قومه حتى بعد الإسلام !
وأخيرا نقف أمام المشهد الرائع الأخير . مشهد الرجل المؤمن عبدالله بن عبدالله بن أبي . وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل . تصديقا لمقاله هو: (ليخرجن الأعز منها الأذل) . ليعلم أن رسول الله هو الأعز . وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان .
ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة , وهم بعد بشر , بهم ضعف البشر , وفيهم عواطف البشر , وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة , حين يدركها الناس على حقيقتها , وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق .
ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث:
(وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم , ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) . .