وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَنْ أَهْلِ الْكِسَاءِ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْأَزْوَاجِ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ، وَلَا يُمْكِنُ خُرُوجُهُنَّ عَنِ الْآيَةِ، لَكِنْ لَمَّا أُرِيدَ دُخُولُ غَيْرِهِنَّ قِيلَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} (الْأَحْزَابِ: 33) فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبَيْتِ: الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} (الْأَحْزَابِ: 32) وَدَلَّ حَدِيثُ الْكِسَاءِ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ أَحَقُّ بِهَذَا الْوَصْفِ مِنَ الْأَزْوَاجِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى: هُوَ مَسْجِدِي هَذَا. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَحَقُّ بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْحَصْرُ الْمَذْكُورُ حَصْرُ الْكَمَالِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ الْعَدْلُ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاءَ هُوَ مَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْآيَةِ.
[فَصْلٌ: قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَعْنَيَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَيُعَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ]
وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَعْنَيَيْنِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَا يُعَيِّنُهُ لِأَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (الْبَقَرَةِ: 7) فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّمْعُ مَعْطُوفًا عَلَى {خَتَمَ} وَيُحْتَمَلُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: {قُلُوبِهِمْ} لِأَنَّ الْخَتْمَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْقَلْبِ، وَهَذَا أَوْلَى لِقَوْلِهِ فِي الْجَاثِيَةِ: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} (الْآيَةِ: 23) .