ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ جَمَعَ عَلَى النَّاسِ أَشْتَاتَ التَّفَاسِيرِ، وَقَرَّبَ الْبَعِيدَ. وَكَذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، فَكَثِيرًا مَا اسْتَدْرَكَ النَّاسُ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى سَنَنِهِمَا مَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيُّ حَسَنُ التَّأْلِيفِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَهُمْ كَابْنِ عَطِيَّةَ، وَكُلُّهُمْ مُتْقِنٌ مَأْجُورٌ، فَجَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا.
(تنبيه: حول اختلاف الصحابة في التفسير)
يَكْثُرُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَقْوَالُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ، وَيَحْكِيهِ الْمُصَنِّفُونَ لِلتَّفْسِيرِ بِعِبَارَاتٍ مُتَبَايِنَةِ الْأَلْفَاظِ، وَيَظُنُّ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدِهِ أَنَّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا فَيَحْكِيهِ أَقْوَالًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَكَرَ مَعْنًى ظَهَرَ مِنَ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِلِ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَلْيَقَ بِحَالِ السَّائِلِ. وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ وَنَظِيرِهِ، وَالْآخَرُ بِمَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ، وَالْكُلُّ يُؤَوَّلُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ غَالِبًا، وَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ، فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ؛ وَلَا يُفْهَمْ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ اخْتِلَافُ الْمُرَادَاتِ، كَمَا قِيلَ:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ ... وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ