قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ نَبَغَ فِي زَمَانِنَا مُفَسِّرُونَ لَوْ سُئِلُوا عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ لَا يُحْسِنُونَ الْقُرْآنَ تِلَاوَةً، وَلَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى السُّورَةِ أَوِ الْآيَةِ، مَا عِنْدَهُمْ إِلَّا التَّشْنِيعُ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَالتَّكَثُّرُ عِنْدَ الطَّعَامِ، لِنَيْلِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْحُطَامِ، أَعْفَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْكَدِّ وَالطَّلَبِ، وَقُلُوبَهُمْ مِنَ الْفِكْرِ وَالتَّعَبِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِمْ، وَازْدِحَامِ ذَوِي الْأَغْفَالِ لَدَيْهِمْ، لَا يَكْفُونَ النَّاسَ مِنَ السُّؤَالِ، وَلَا يَأْنَفُونَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْجُهَّالِ، مُفْتَضِحُونَ عِنْدَ السَّبْرِ وَالذَّوَاقِ، زَائِغُونَ عَنِ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ التَّلَاقِ، يُصَادِرُونَ النَّاسَ مُصَادَرَةَ السُّلْطَانِ، وَيَخْتَطِفُونَ مَا عِنْدَهُمُ اخْتِطَافَ السِّرْحَانِ، يَدْرُسُونَ بِاللَّيْلِ صَفْحًا، وَيَحْكُونَهُ بِالنَّهَارِ شَرْحًا، إِذَا سُئِلُوا غَضِبُوا، وَإِذَا نُفِّرُوا هَرَبُوا، الْقِحَةُ رَأْسُ مَالِهِمْ، وَالْخَرَقُ وَالطَّيْشُ خَيْرُ خِصَالِهِمْ، يَتَحَلَّوْنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَتَنَافَسُونَ فِيمَا يُرْذِلُهُمْ، الصِّيَانَةُ عَنْهُمْ بِمَعْزِلٍ، وَهُمْ مِنَ الْخَنَى وَالْجَهْلِ فِي جَوْفِ مَنْزِلٍ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطِ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ، وَقَدْ قِيلَ:
مَنْ تَحَلَّى بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ ... فَضَحَتْهُ شَوَاهِدُ الِامْتِحَانِ
وَجَرَى فِي السِّبَاقِ جَرْيَةَ سُكَّيْتٍ ... نَفَتْهُ الْجِيَادُ عِنْدَ الرِّهَانِ
قَالَ: حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَاقَّةِ، فَقَالَ: الْحَاقَّةُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا صَارُوا فِي الْمَجْلِسِ قَالُوا: كُنَّا فِي الْحَاقَّةِ.
وَقَالَ آخَرُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ اقْلَعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} (هُودٍ: 44) قَالَ: أَمَرَ الْأَرْضَ بِإِخْرَاجِ الْمَاءِ، وَالسَّمَاءَ بِصَبِّ الْمَاءِ، وَكَأَنَّهُ عَلَى الْقَلْبِ.