وإن كان [على] سبيل القراءة والتلاوة فإنه جائز صحيح مقبول لا منع فيه، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين بالروايات، لكن من وجه تساوى العلماء بالعوام لا من وجه أنه مكروه أو حرام؛ إذ كل من عند الله نزل به الروح الأمين تخفيفا عن الأمة، فلو أوجبنا عليهم [قراءة] كل رواية على حدة لشق عليهم تمييز القراءة الواحدة. والله أعلم.
وزاد أبو الحسن القيجاطى خامسا: وهو أن يرتب فيأتى بقالون قبل ورش، وبقنبل بعد البزى، بحسب ترتيبهم.
قال القيجاطى: وهو أسهل الشروط؛ فإن الشيوخ كانوا لا يكرهون هذا كما يكرهون ما مثله، فيجوز ذلك لضرورة ولغير ضرورة، والأحسن أن يبدأ بما بدأ به المؤلفون في كتبهم. انتهى.
قال المصنف: وفيه نظر، بل الذين أدركناهم من الحذاق المستحضرين لا يعدون الماهر إلا من لا يلتزم تقديم شخص بعينه؛ فلذلك قال:
ص:
فالماهر الّذى إذا ما وقفا ... يبدا بوجه من عليه وقفا
ش: (الماهر) مبتدأ، والموصول خبره، و (ما) زائدة، و (يبدا) عامل (إذا) على الأصح، و (بوجه) يتعلق به، و (من) موصول، و (عليه) يتعلق ب (وقفا) .
أي: الماهر عندهم هو [الذي] لا يلتزم تقديم شخص بعينه، ولكن إذا وقف على وجه لقارئ يبتدئ لذلك القارئ بعينه، وذلك لا يعد من التركيب، بل هو أملك في الاستحضار والتدريب.
وقد علم من اشتراط حسن الوقف والابتداء تجنب ما لا يليق مما يوهم غير المعنى المراد، كما إذا وقف على قوله: فويل للمصلّين [الماعون: 4] ، أو ابتدأ وإيّاكم أن تؤمنوا بالله ربّكم [الممتحنة: 1] .
واتفق للشيخ بدر الدين ابن بضحان أن رجلا يقرأ عليه فوقف على قوله تعالى: تبّت يدآ أبي [المسد: 1] ثم أخذ يعيدها لأجل المد، فقال له الشيخ: «يستأهل الذي بزر مثلك» .
وكان بعضهم يراعى في الجمع نوعا آخر وهو التناسب، فكان [إذا] ابتدأ [مثلا] بالقصر أتى بالمرتبة التي فوقه، ثم كذلك إلى آخر [مراتب المد] ، وإن ابتدأ بالمد المشبع تنازل إلى القصر، فإن ابتدأ بالفتح أتى ببين بين ثم بالمحض، أو النقل أتى بالتحقيق ثم السكت القليل ثم ما فوقه.
قال المصنف: وكنت أتنوع بهذه التنويعات على ابن اللبان؛ لأنه كان أقوى من لقيت استحضارا؛ فكان عالما بما أفعل، وهذه الطريق لا تسلك إلا مع من هو بهذه المثابة، أما ضعيف الاستحضار فينبغى أن يسلك به نوع واحد؛ ليكون أسلم [له] ثم كمل فقال:
ص:
يعطف أقربا [به] فأقربا ... مختصرا مستوعبا مرتّبا