وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا يجوز ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها، إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يصح النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه بمهر، وأما بدون مهر، فلا خلاف في أن ذلك خاص بالنبي، ولهذا قال: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} ؛ أي: أوجبنا على المؤمنين {فِي أَزْوَاجِهِمْ} ؛ أي: في حقهن من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض، لا يحل لهم الإخلال به، ولا اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما خصه الله به توسعة عليه، وتكريمًا له، فلا يتزوجوا إلا أربعة بمهر وولي وشهود.
{وَ} ما فرضنا عليهم في حق {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وأيديهم من الأحكام؛ أي: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه، لا ممن لا يجوز سبيه كالمعاهدين، وأهل الذمة.
وقوله: {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية؛ أي: أحللنا لك أزواجك، وما ملكت يمينك، والواهبة نفسها لك لكيلا يكون عليك حرج. فتكون اللام متعلقةً بـ {أَحْلَلْنَا} ، وقيل: متعلقة بـ {خَالِصَةً} ، والأول أولى. ولام كي دخلت على كي للتوكيد؛ أي: لئلا يكون عليك ضيق في أمر النكاح، فقوله: قد علمنا .. الخ اعتراض بين قوله: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} وبين متعلَّقه، وهو {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ، مقرر لما قبله من خلوص الإحلال المذكور لرسول الله، وعدم تجاوزه للمؤمنين ببيان أنه قد فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه، تكرمة له، وتوسعة عليه.
أي: قد علمنا ما ينبغي أن يفرض عليهم في حق أزواجهن، ومملوكاتهم، وعلى أيّ حد، أو على أي صفة يحق أن يفرض عليهم، ففرضنا ما فرضنا على ذلك الوجه، وخصصناك ببعض الخصائص، كالنكاح بلا مهر وولي وشهود، ونحوها.
وفسروا المفروض في حق الأزواج بالمهر، والولي، والشهود، والنفقة، ووجوب القسم، والاقتصار على الحرائر الأربع، وفي حق المملوكات بكونهن ملكًا طيبًا، بأن تكون من أهل الحرب، لا ملكًا خبيثًا، بأن تكون من أهل العهد.