فإن قيل: إذا كان هذا إرشاداً بما يتعلق بجانب منه ومن خواص المرأة فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بقوله تعالى: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} أي: تجامعوهن ، أطلق المس على الجماع ؛ لأنه طريق له كما سمى الخمر إثماً ؛ لأنها سببه ؟
أجيب: بأن هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها.l
وبيانه: أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكيد العهد ، ولهذا قال تعالى في حق الممسوسة: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} (النساء: (
فإذا أمر الله تعالى بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بما حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء ، أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما ، وهذا كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} (الإسراء: (
ولو قال: لا تضر بهما ولا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى يختص بالضرب أو الشتم لهما ، فأما إذا قال: {لا تقل لهما أف} لعلم منه معان كثيرة فكذلك ههنا أمر بالإحسان مع من لا مودة معها ، فعلم منه الإحسان إلى الممسوسة ، ومن لم تطلق بعد ، ومن ولدت عنده منه ، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء وألف بعد الميم ، والباقون بفتح التاء ولا ألف بعد الميم.
ولما كانت العدة حقاً للرجال وإن كانت لا تسقط بإسقاطهم لما فيها من حق الله تعالى قال تعالى: {فما لكم عليهن من عدة} أي: أياماً يتربصن فيها بأنفسهن {تعتدونها} أي: تحصونها وتستوفونها بالإقراء وغيرها ، فتعتدونها صفة لعدة ، وتعتدونها إما من العدد ، وإما من الاعتداد ، أو تحسبونها أو تستوفون عددها من قولك: عد الدراهم فاعتدها أي: استوفى عددها نحو: كلته فاكتال ووزنته فاتزن ، فإن قيل: ما الفائدة في الإتيان بثم وحكم من طلقت على الفور بعد العقد كذلك ؟