أي: وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم مما كانوا يؤتونهم، وليعودوا لهم إلى مثل الذي كان لهم عليهم من الأفضال. ثم ذكر سبحانه ترغيبًا عظيمًا لمن عفا وصفح فقال: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} بهمزة الاستفهام التوبيخي؛ أي: ألا تحبون يا أرباب الفضل والسعة، أن يستر الله عليكم ذنوبكم بأفضاله عليكم، والجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح الله عنك. فحينئذٍ قال الصديق: بلى والله، نحب أن يغفر لنا ربنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وكفر عن يمينه. وقال والله لا أنزعها منه أبدًا. {وَاللَّهُ} سبحانه {غَفُورٌ} لذنوب من أطاعه واتبع أمره.
{رَحِيمٌ} به، لا يعذبه على ما كان له من زلة قد استغفر منها وتاب إليه من فعلها، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم. وفي هذا ترغيب عظيم في العفو، ووعد كريم عليه بالمغفرة من الذنوب. وحث على مكارم الأخلاق.
وفي"معجم الطبراني الكبير"أنه أضعف له النفقة التي كان يعطيه إياها قبل القذف؛ أي: أعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك. وقال بعضهم:
مَنْ كَانَ يَرْجُوْ عَفْوَ مَنْ فَوْقَهُ ... فَلْيَعْفُ عَنْ ذَنْبِ الَّذِيْ دُوْنَهُ
23 - {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُون} ؛ أي: يقذفون بالزنا {الْمُحْصَنَاتِ} ؛ أي: العفائف مما رمين به من الفاحشة والزنا، وأجمعوا على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حدّ القذف. {الْغَافِلَاتِ} عن الفاحشة على الإطلاق، بحيث لم يخطر ببالهن شيء منها, ولا من مقدماتها أصلًا. ففيها من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس من المحصنات {الْمُؤْمِنَاتِ} ؛ أي: المتصفات بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به من الواجبات، والمحظورات وغيرها، إيمانًا حقيقيًا تفصيليًا، كما ينبئ عنه تأخير المؤمنات عما قبلها، مع أصالة وصف الإيمان. والمراد بها عائشة الصديقة - رضي الله عنها - . والجمع باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين، لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة، والانتساب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) } ونظائره.