لأنك إنْ تمسكت بالدخول بعد أنْ قال لك: ارجع فقد أثرت الريبة في نفسه ، فعليك أن تمتثل وتحترم رغبة صاحب الشأن ، فهذا هو الأزكى والأفضل ، أَلاَ ترى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك".
{والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] أي: عالم سبحانه بدخائل النفوس ووساوس الصدور ، فإنْ قال لك صاحب الدار ارجع فوقفتَ أمام الباب ولم تنصرف ، فإنك تثير حولك الظنون والأوهام ، وربك - عز وجل - يريد أنْ يحميك من الظنون ودخائل النفوس .
ثم يقول الحق سبحانه: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . .} .
سأل الصِّديق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله نحن قوم أهل تجارة ، نذهب إلى بلاد ليس لنا فيها بيوت ولا أهل ، ونضطر لأن ننزل في أماكن (عامة كالفنادق) نضع فيها متاعنا ونبيت بها ، فنزلت هذه الآية .
و {جُنَاحٌ . .} [النور: 29] يعني: إثم أو حرج ، وهذه خاصة بالأماكن العامة التي لا يسكنها أحد بعينه ، والمكان العام له قوانين في الدخول غير قوانين البيوت والأماكن الخاصة ، فهل تستأذن في دخول الفندق أو المحل التجاري أو الحمام ... إلخ ، هذه أماكن لا حرجَ عليك في دخولها دون استئذان .
فمعنى {غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . .} [النور: 29] أي: لقوم مخصوصين {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ . .} [النور: 29] كأن تنام فيها وتأكل وتشرب وتضع حاجياتك ، فالمتاع هنا ليس على إطلاقه إنما مقيد بما أحلَّه الله وأمر به ، فلا يدخل في المتاع المحرمات .