والمعنى: حتى تستعملوا وتستكشفوا الحال ، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنس هل ترى أحداً ، واستأنست فلم أر أحداً ، أي تعرفت واستعلمت ، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] أي علمتم رشدهم وظهر لكم. وقوله تعالى عن موسى: {إني آنَسْتُ نَاراً لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} [طه: 10] وقوله تعالى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً} [القصص: 29] الآية فمعنى آنس ناراً: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا... بذي الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشى أكارعه... طاوى المصير كيف الصيقل الفرد
فقوله على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته ، ومعنى كونه مستأنساً أنه يستكشف ، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة في نظره إليهم ، ومنه أيضاً قول الحرث بن حلزة اليشكري: يصف نعامة شبه بها ناقته:
آنست نبأة وأفزعها القنا... ص عصراً وقد دنا الإمساء
فقوله آنست نبأة: أي أحست بصوت خفي ، وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا ، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما هو يكون بالاستئذان أظهر عندي: وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول ، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا.
وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى تستأنسوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم ، فكتبوا تستأنسوا غلطاً بدل تستأذنو الا يعول عليه ، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس ، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم.