نقول - جاءت هذه الآيات الثلاث ، بعد حديث الإفك لتقيم المسلمين على أدب خاص ، يتصل بالبيوت وحرمتها ، حتى لا تكون مظنّة لريبة ، أو موضعا لتهمة .. ذلك والنفوس - إذ تستقبل هذه الآيات - مهيأة لقبول كل ما يدفع التهم ، وينفى الرّيب ، بعد تلك التجربة القاسية التي عاشها النبيّ ، وزوجه ، وصديقه الصديق ، وصحابته ، وصالحو المؤمنين ..
قوله تعالى:
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » فهذا أول مادة فِي دستور هذا الأدب الربانيّ ، فِي تزاور المسلمين ، وتواصلهم بلقاء بعضهم بعضا فِي البيوت .. وهو ألّا يدخل أحد بيتا غير بيته حتى يستأنس ، ويسلم على أهله ..
والاستئناس ، هو طلب الأنس ، وإزالة الوحشة ، وذلك باستئذان أهل البيت ، ولقاء من يلقاه منهم على باب الدار ، فإذا لقيه أحد سلم عليه .. فإن أذن له بالدخول دخل ، وإن لم يأذن له رجع .. وهذا ما يشير إلى قوله تعالى:
« فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ .. وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ » .
وفى قوله تعالى: « فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ » أي لا دخول أبدا إلا بعد إذن .. فإن لم يكن أحد فِي البيت فلا دخول أبدا .. وإن كان فِي البيت أحد ، فلا دخول إلا بعد التسليم ، والإذن ..
وفى قوله تعالى: « هُوَ أَزْكى لَكُمْ » أي هذا الموقف هو أزكى لكم ، وهو أن لا دخول أبدا إذا لم يكن أحد ، وأن لا دخول إذا كان أحد إلا بعد تسليم وإذن.