ثم بين سبحانه: أن الرجوع أفضل من الإلحاح ، وتكرار الاستئذان ، والقعود على الباب فقال: {هُوَ أزكى لَكُمْ} أي: أفضل {وَأَطْهَرُ} من التدنس بالمشاحة على الدخول لما في ذلك من سلامة الصدر ، والبعد من الريبة ، والفرار من الدناءة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} لا تخفى عليه من أعمالكم خافية {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} أي: لا جناح عليكم في الدخول بغير استئذان إلى البيوت التي ليست بمسكونة.
وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت ، فقال محمد بن الحنفية ، وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل يأوي إليها.
وقال ابن زيد ، والشعبي: هي حوانيت القيساريات ، قال الشعبي: لأنهم جاءوا ببيوعهم ، فجعلوها فيها ، وقالوا: للناس هلمّ.
وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول ، والغائط ، ففي هذا أيضاً متاع.
وقيل: هي بيوت مكة.
روي ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضاً ، وهو موافق لقول من قال: إن الناس شركاء فيها ، ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة.
والمتاع: المنفعة عند أهل اللغة ، فيكون معنى الآية: فيها منفعة لكم ، ومنه قوله: {وَمَتّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] وقولهم: أمتع الله بك ، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدّم بالأعيان التي تباع.
قال جابر بن زيد: وليس المراد بالمتاع الجهاز ، ولكن ما سواه من الحاجة.
قال النحاس: وهو حسن موافق للغة {والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} أي: ما تظهرون وما تخفون ، وفيه وعيد لمن لم يتأدّب بآداب الله في دخول بيوت الغير.