فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن ؛ فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} [النور: 92] .
الثالثة: مدّ الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس ، وهو الاستئذان.
قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان ؛ وكذا في قراءة أبَيّ وابن عباس وسعيد بن جُبير"حَتَّى تَسْتَأذِنُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا".
وقيل: إن معنى"تستأنسوا"تستعلموا ؛ أي تستعلموا من في البيت.
قال مجاهد: بالتنحنح أو بأي وجه أمكن ، ويتأنّى قدرَ ما يعلم أنه قد شُعِر به ، ويدخل إثْر ذلك.
وقال معناه الطبري ؛ ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} [النساء: 6] أي علمتم.
وقال الشاعر:
آنَستْ نَبْأة وأفزعها القَنّ ...
اص عصراً وقد دنا الإمساء
قلت: وفي سنن ابن ماجه: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: قلنا: يا رسول الله ، هذا السلام ، فما الاستئناس؟ قال:"يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت".
قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان ؛ كما قال مجاهد ومن وافقه.
الرابعة: وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جُبير {حتى تَسْتَأْنِسُواْ} خطأ أو وَهَم من الكاتب ، إنما هو"حتى تستأذنوا".
وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره ؛ فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها {حتى تَسْتَأْنِسُواْ} ، وصح الإجماع فيها من لَدُن مدّة عثمان ، فهي التي لا يجوز خلافها.