وهذا ترغيب في العفو والصفح، ووعد كريم بمغفرة ذنوب التائبين، لذا بادر أبو بكر الصدّيق إلى القول: «بلى، والله، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربّنا» ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: «والله لا أنزعها منه أبدا» .
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه جملة من الآداب والزواجر، أرشدت إليها قصة الإفك، وهي تربية عالية للمجتمع، وصون لأخلاقه من التردي والانحدار، ونبذ للعادات السيئة في إشاعة الأخبار دون علم ولا تثبت، وقد دلت الآيات على ما يلي:
1 -إن داء الأمة ينبع من داخلها، وأخطر داء فيها زعزعة الثقة بقادتها ومصلحيها، وتوجيه النقد الهدام لهم، ومحاولة النيل من عرضهم وسمعتهم
وكرامتهم، فأهل الإفك ليسوا من الأعداء الخارجين، وإنما هم- في الظاهر- عصبة من المؤمنين.
2 -ليس في الأشياء خير محض ولا شر محض، وإنما ما غلب نفعه على ضرره فهو خير، وما غلب ضرره على نفعه فهو شر، فحقيقة الخير: ما زاد نفعه على ضره، والشرّ: ما زاد ضره على نفعه، وإن خيرا لا شرّ فيه هو الجنة، وشرّا لا خير فيه هو جهنم. أما البلاء النازل على الأولياء فهو خير لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا، وخيره هو الثواب الكثير في الآخرة. لذا كان حديث الإفك خيرا على عائشة وأهلها آل أبي بكر، وعلى صفوان بن المعطّل المتهم البريء، فقال تعالى:
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لرجحان النفع والخير على جانب الشر.
وكان صفوان هذا صاحب ساقة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة رضوان الله عليهم. وقيل كما ذكر ابن إسحاق: كان حصورا لا يأتي النساء. وقال: والله ما كشفت كنف أنثى قط، يريد بزنى. وقتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع وعشرين في زمان عمر. وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية.
3 -للذين خاضوا في إثم الإفك جزاء وعقاب في الدنيا والآخرة، وهم الذين أصروا على التهمة، أما الذين تابوا وهم حسان ومسطح وحمنة، فقد غفر الله لهم.
4 -إن زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ هو الذي تولى كبر حديث الإفك، واختلاق معظم القصة، والترويج لها وإشاعتها بين المسلمين. وهل جلد هو وغيره؟