.ما يلبث أن يتحقق.. فهذا رجل يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ، ولكنه يجد نفسه محجوزاً بحاجز القرآن ؛ فيغلب مشاعره ، ويغلب وراثاته ، ويغلب منطق البيئة العربية العنيف العميق ؛ ويكبح غليان دمه ، وفوران شعوره ، واندفاع أعصابه.. ويربط على هذا كله في انتظار حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جهد شاق مرهق ؛ ولكن التربية الإسلامية أعدت النفوس لاحتماله كي لا يكون حكم إلا لله ، في ذات الأنفس وفي شؤون الحياة.
كيف أمكن أن يحدث هذا؟ لقد حدث لأنهم كانوا يحسون أن الله معهم ، وأنهم في كنف الله ، وأن الله يرعاهم ، ولا يكلفهم عنتاً ولا رهقاً ، ولا يتركهم عندما يتجاوز الأمر طاقتهم ، ولا يظلمهم أبداً. كانوا يعيشون دائماً في ظل الله ، يتنفسون من روح الله ، ويتطلعون إليه دائماً كما يتطلع الأطفال إلى العائل الكافل الرحيم.. فها هو ذا هلال بن أمية يرى بعينيه ويسمع بأذنيه ، وهو وحده ؛ فيشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناصاً من تنفيذ حد الله ، وهو يقول له"البينة أو حد في ظهرك"ولكن هلال بن أمية لا يتصور أن الله تاركه للحد ، وهو صادق في دعواه. فإذا الله ينزل ذلك الاستثناء في حالة الأزواج ؛ فيبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هلالاً به ؛ فإذا هو يقول قولة الواثق المطمئن: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل.. فهو الاطمئان إلى رحمة الله ورعايته وعدله. والاطمئنان أكثر إلى أنه معهم ، وأنهم ليسوا متروكين لأنفسهم ؛ إنما هم في حضرته ، وفي كفالته.. وهذا هو الإيمان الذي راضهم على الطاعة والتسليم والرضى بحكم الله.