ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الإلهية ، من السبعية والبهيمية ؟ وأبعد بما لا يقدر قدره ، فالإنسان برسوخ رذيلته النطفية يصير شيطاناً ، وبرسوخ الرذيلتين الأخريين ، يصير حيواناً كالبهيمة أو السبع ، وكل حيوان أرجى صلاحاً ، وأقرب فلاحاً من الشيطان . ولهذا قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221 - 222] ، ونهى هاهنا عن اتباع خطوات الشيطان . فإن ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته ومطاوعته ، وصاحبه يكون من جنوده وأتباعه ، فيكون أخس منه وأذل ، محروماً من فضل الله الذي هو نور هدايته ، محجوباً من رحمته التي هي إفاضة كمال وسعادة ، ملعوناً في الدنيا والآخرة ، ممقوتاً من الله والملائكة . تشهد عليه جوارحه بتبدّل صورها وتشوّه منظرها . خبيث الذات والنفس . متورطاً في الرجس . فإن مثل هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين . كما قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} وأما الطيبون المنزهون عن الرذائل ، فإنما تصدر عنهم الطيبات والفضائل . انتهى .