ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك ، فحدوا ثمانين ثمانين . ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبيّ ، مع أنه رأس الإفك . فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة . والخبيث ليس أهلاً لذلك . ولقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة ، فيكفيه ذلك عن الحد . وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو بينة . وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه إنما كان يذكر من أصحابه ولم يشهدوا عليه . ولم يكن يذكره بين المؤمنين . وقيل: حد القذف حق الآدميّ ، لا يستوفي إلا بمطالبته: وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبيّ . وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته . كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مراراً . وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام . فإنه كان مطاعاً فيهم رئيساً عليهم . فلم يؤمن إثارة فتنة في حده ، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها . فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بيت جحش . وهؤلاء من المؤمنين الصادقين ، تطهيراً لهم وتكفيراً . وترك عدو الله ابن أبيّ إذاً فليس هو من أهل ذاك - هذا ما أفاده الإمام ابن القيم رحمه الله في"زاد المعاد"وهو خلاصة الروايات في هذا الباب .