لِلْخَبِيثِينَ فقطعوا قطعاً لا يشكون فيه ، أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة .
فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده فيما يليق به . وهلا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما قاله فضلاء الصحابة ؟ فالجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سبباً لها ، وامتحاناً وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة . ليرفع بهذه القصة أقواماً ويضع بها آخرين . ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيماناً ، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً . واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهراً في شأنها . لا يوحي إليه في ذلك بشيء ليتم حكمته التي قدَّرها وقضاها ، ويظهر على أكمل الوجوه ، ويزداد المؤمنون الصادقون إيماناً وثباتاً على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده . ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً . ويظهر للرسول وللمؤمنين سرائرهم ، ولتم العبودية المرادة من الصدّيقة وأبيها . وتتم نعمة الله عليهم ، ولتشدد الفاقة والرغبة منها ومن أبيها ، والافتقار إلى الله ، والذل له ، وحسن الظن به ، والرجاء له . ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق . ولهذا وقّت لهذا المقام حقه ، لما قال لها أبوها: قومي إليه ، وقد انزل الله عليه براءتها ، قالت: والله ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي .
وأيضا ، فكان من حكمة حبس الوحي شهراً ، أن القضية نضجت وتمخضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف ، إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها .