ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء ، ذكر جزاء القاذف كفّاً عنه وتحذيراً منه بصيغة المجهول ، لأن المحذور اللعن لا كونه المعين ، وتنبيهاً على وقوع اللعن من كل من يتأتى منه فقال: {لعنوا} أي أبعدوا عن رحمة الله ، وفعل معهم فعل المبعد من الحد وغيره {في الدنيا والآخرة} ثم زاد في تعظيم القذف لمن هذه أوصافها فقال: {ولهم} أي في الآخرة {عذاب عظيم} وقيد بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرماً ليس فيه هذا المجموع ، وهذا الحكم وإن كان عاماً فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام بعلي قدرها ، وجلي أمرها ، في عظيم فخرها ، ما يجل عن الوصف ؛ ثم أتبع ذلك ذكر اليوم الذي يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظماً فقال: {يوم تشهد عليهم} أي يوم القيامة في ذلك المجمع العظيم {ألسنتهم} إن ترفعوا عن الكذب {وأيديهم وأرجلهم} إن أنكرت ألسنتهم كذباً وفجوراً ظناً أن الكذب ينفعها {بما كانوا يعملون} من هذا القذف وغيره ؛ ثم زاد في التهويل بقوله: {يومئذ} أي إذ تشهد عليهم هذه الجوارح {يوفيهم الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة وله الكمال كله {دينهم} أي جزاءهم {الحق} أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ذلك المجمع العظيم أنهم يستحقونه ، فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه {ويعلمون} أي إذ ذاك ، لانقطاع الأسباب ، ورفع كل حجاب {أن الله} أي الذي له العظمة المطلقة ، فلا كفوء له {هو} أي وحده {الحق} أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه ، {المبين} الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال ، وتنزهه عن جميع سمات النقص ، فيندمون على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة ؛ قال ابن كثير: وأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما ، وقد أجمع العلماء