فإن قلت: فقد جاءت {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] وجاء {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 8] ؟ فإن"ليس"تجري مجرى"ما"ونحوا مما ليس بفعل. وأما {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ} فإن قوله (بُورِكَ) على معنى الدعاء فلم يجز دخول"لا"ولا"قد"ولا"السين"ولا شيء مما يصح دخوله في الكلام فيصح به الفصل.
وهذا مثل ما حكى سيبويه من قولهم: أما أن جزاك الله خيرًا. فلم يدخل شيء من هذه الفواصل من حيث لم يكن موضعًا لها، وغير الدعاء في هذا ليس كالدعاء. ووجه قراءة نافع أنَّ ذلك قد جاء في الدعاء ولفظه الخبر، وقد يجيء في الشعر من غير الفصل.
وأما أحكام اللعان:
فاعلم أن اللعان يعتمد القذف، فلا يتصور لعان ما لم يتقدم قذف، ولا فرق بين أن يكون ذلك القذف بصريح الزنا على جهة المطاوعة، وبين أن يكون بوطء شبهة أو بوطء كانت مستكرهة فيه لأن ذلك كله وطء حرام؛ فإذا قذف زوجته لزمه الحد وله التخلص منها بإقامة البينة أو باللعان. فإن أقام البيّنة على زناها لزمها الحد، وإن التعيين لزمها الحد أيضًا، ولها التخلص منه باللعان.
ولا يكون اللعان إلا مغلّظا بالزمان والمكان، فإن كان بمكة فعند المقام، وإن كان بالمدينة فعلى المنبر، وكذلك في كل بلدة، وينبغي أن يكون بعد العصر يوم الجمعة أو في أي وقت من الأوقات الشريفة.
ولا يجزئ اللعان إلا بين يدي سلطان أو نائب عن السلطان. وتكون البداية بالزوج كما ذكر الله في كتابه. وكل زوج كان من أهل الطلاق كان من أهل اللعان، عبدًا كان أو حرًا، ذميًّا كان أو مسلمًا، محدودًا في القذف أو غير محدود؛ لأن اللعان عند الشافعي أيمان وإن كان فيها شوب شهادة.