قُلْنَا: أَمَّا ذِكْرُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَلَا يَقْتَضِي لَهَا حُكْمَهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَرَبِ جَارِيَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ ، وَأَحْلِفُ بِاَللَّهِ ، فِي مَعْرِضِ الْأَيْمَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا تَكْرَارُهَا فَيَبْطُلُ بِيَمِينِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّهَا تَكَرَّرَتْ ، وَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ إجْمَاعًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي تَكْرَارِهَا التَّغْلِيظُ فِي الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ عَلَى فَاعِلِهَا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهَا فَيَقَعُ السَّتْرُ فِي الْفُرُوجِ وَالْحَقْنُ فِي الدَّمِ ، وَالْفَيْصَلُ فِي أَنَّهُ يَمِينٌ ، لَا شَهَادَةٌ أَنَّ الزَّوْجَ يَحْلِفُ لِنَفْسِهِ فِي إثْبَاتِ دَعْوَاهَا ، وَتَخْلِيصُهُ عَنْ الْعَذَابِ ؛ وَكَيْف
يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ شَاهِدًا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ حُكْمًا عَلَى غَيْرِهِ ؟ هَذَا بَعِيدٌ فِي الْأَصْلِ مَعْدُومٌ فِي النَّظَرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: رَاعَى أَبُو حَنِيفَةَ عُمُومَ الْآيَةِ ، فَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ وَنَسِيَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ، وَهَذَا رَمَاهَا وَهِيَ مُحْصَنَةٌ غَيْرُ زَوْجَةٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اللِّعَانُ فِي قَذْفٍ يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ ، وَهَذَا قَذْفٌ لَا يَلْحَقُ فِيهِ نَسَبٌ ، فَلَا يُوجِبُ لِعَانًا ، كَمَا لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.