وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، هَلْ يَكُونُ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِثَلَاثٍ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ لَهُ مِنْ الشُّغْلِ تَقَعُ بِهَا ، كَمَا فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ ، وَإِنَّمَا رَاعَيْنَا الثَّلَاثَ حِيَضٍ فِي
الْعِدَّةِ لِحُكْمٍ آخَرَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {أَزْوَاجَهُمْ} عَامٌّ فِي كُلِّ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ عَبْدَيْنِ ، مُؤْمِنَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ ، فَاسِقَيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ ؛ لِعُمُومِ الظَّاهِرِ ، وَوُجُودِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ ، وَتَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ فِيهِ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُكَلَّفَيْنِ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَمِينٌ.
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا نُكْتَتُهُ أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ} ، فَسَمَّاهَا أَيْمَانًا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْفَاسِقَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا يَلْتَعِنَانِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ شَهَادَةٌ قَوْلُهُ: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} فَجَاءَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بِهَا ، وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُ رَدَّدَهَا خَمْسًا ، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينًا مَا رُدِّدَتْ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَرْدِيدِهَا قِيَامُهَا فِي الْأَعْدَادِ مَقَامَ عَدَدِ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا.