إذن: ما دام أن الله تعالى أفاض عليك من صفات الكمال واحتفظ هو سبحانه بملكية هذه الصفات ، فإنْ شاء سلبها منك ، فعليك أن تستغل الفرصة وتنتهز وجود هذه الخَصْلة عندك ، فتُثمِّرها فيما أراده الله منك قبل أنْ تُسلَب ، حتى إذا سُلِبَتْ منك نالتك من غيرك .
فتصدَّق وأنت غني لتنال صدقة الآخرين إنْ أصابك الفقر ، وأكرم اليتيم لتجد مَنْ يُكرم يتيمك من بعدك ، فإنْ قابلتَ أحداث الحياة بهذه النظرة اطمأنَّ قلبك ، وأمِنْتَ من حوادث الزمن ، واستقبلتَ الأحداث بالرضا ، وكيف تهتم وأنت في مجتمع يرعاك كما رعيته ، ويحملك كما حملته ، ويتعاون معك كما تعاونتَ معه؟
وصدق الله تعالى حين قال: {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] .
إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد من خليفته في أرضه أن يكون جِماعاً لصفات الكمال التي تسعد الخَلْقَ بآثار الخالق فيهم ، وهذه هي الخلافة الحقة .
وسورة النور جاءت لتحمل نور المعنويات ، نور القيم ، نور التعامل ، نور الأخلاق ، نور الإدارة والتصرف ، وما دام أن الله تعالى وضع لنا هذا النور فلا يصح للبشر أنْ يضعوا لأنفسهم قوانين أخرى ؛ لأنه كما قال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] فلو لم تكُنْ هذه الشمس ما استطاع أحد أنْ يصنع لنفسه نوراً أبداً .
فالحق - تبارك وتعالى - يريد لخليفته في أرضه أن يكون طاهراً شريفاً كريماً عزيزاً ؛ لذلك وضع له من القوانين ما يكفل له هذه الغاية ، وأول هذه القوانين وأهمها قانون التقاء الرجل والمرأة التقاء سليماً في وضح النهار ؛ لينتج عن هذا اللقاء نَسْل طاهر جدير بخلافة الله في أرضه ؛ لذلك أول ما تكلم الحق سبحانه في هذه السورة تكلَّم عن مسألة الزنى .