والعجيب أن تأتي هذه السورة بعد سورة (المؤمنون) التي قال الله في أولها {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} [المؤمنون: 1] ثم ذكر من هؤلاء المؤمنين المفلحين {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] وهنا قال: {الزانية والزاني . .} [النور: 2] فجاء بالمقابل للذين هم لفروجهم حافظون .
نفهم من هذا أنه لا يلتقي رجل وامرأة إلا على نور من الله وهدى من شريعته الحكيمة ؛ لأنه عز وجلَّ هو خالق الإنسان ، وهو أعلم بما يُصلحه ، وهو خالق ذرّاته ، ويعلم كيف تنسجم هذه الذرات بعضها البعض ، وهو سبحانه خالق مَلَكات النفس ، ويعلم كيف تتعايش هذه الملكات ولا تتنافر .
إذن: طبيعي أنْ أردتَ أن تنشئ خليفة في الكون على غير مراد الله وعلى غير مواصفات الحق ، لا بُدَّ أنْ يضطرب الكون وتتصارع فيه مَلكات النفس ، وماذا تنتظر من هذا الخليفة إنْ جاء في الظلام؟ ساعتها تظهر أمراض النسل من وَأْد الأولاد وقتلهم حتى في بطون الأمهات ، وقد يتشكّك الرجل في ولده ، فيبغضه ويهمله ويتركه للتشرد .
إذن: لن تستقيم هذه المسألة إلا حين يأتي الخليفة وَفْق مواصفات ربه ، وأنْ يلتقي الزوجان على ما شرع الله في وضح النهار ، لا أن يندس كل منهما على الآخر في ظلمة الإثم ، فيحدث المحظور الذي تختلط به الأنساب ، ويتفكك رباط المجتمع .
إن من أقسى تجارب الحياة على المرء أن يشكَّ في نِسْبة ولده إليه ، وأن تعتصره هذه الفكرة ، فيهمل ولده وفلذة كبده ، وينفق هنا وهناك ويحرمه على خلاف النسْل الطاهر ، حيث يتلهف الأب لولده ، ويجوع ليشبع ، ويتعرّى ليلبس .
فالحق سبحانه يريد النسل المحضون بالأبوين في أُبوة صحيحة شرعية وأمومة صحيحة شرعية اجتمعا على نور الله .