{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) }
والجعلُ بمعنى الإنشاء والإبداع. أي أنشأنا وأبدعنا لمصالحكم ومنافعِكم فيها أسباباً تعيشون بها.
وكلُّ واحد من الظرفين متعلقٌ به أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعولِه المنكر إذ لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ، وتقديمها على المفعول مع أن حقهما التأخيرُ عنه لما مر غير مرة من الاعتناء بشأن المقدمِ والتشويقِ إلى المؤخرِ، فإنَّ النفسَ عند تأخيرِ ما حقه التقديمُ لا سيَّما عند كونِ المقدم منبئاً عن منفعة للسامع تبقى مترقبةً لورود المؤخَّرِ فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن، وأما تقديمُ اللامِ على {في} فلما أنه المنبئُ عما ذُكر من المنفعة فالاعتناءُ بشأنه أتمُّ والمسارعةُ إلى ذكره أهم.
{وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) }
وتصديرُ الكلامِ بالنداء للتنبيه على الاهتمام بتلق المأمورِ به، وتخصيصُ الخطابِ به عليه السلام للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به {اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة} هو من السكَن الذي هو عبارةٌ عن اللَّبْثِ والاستقرارِ والإقامةِ لا من السكونِ الذي هو ضدُّ الحركة وأنت ضميرٌ أكِّد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليهِ والفاءُ في قولِه تعالى {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} لبيان المرادِ مما في سورةِ البقرةِ من قوله تعالى {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} من أن ذلك كان جمعاً مع الترتيب وقوله تعالى مِنْ {حَيْثُ شِئْتُمَا} في معنى منها حيث شئتما، ولم يذكر هاهنا {رَغَداً} ثقةً بما ذكر هناك.