«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟
فالجوابُ: لعلّ فيهم أقواماً تشككوا وتوقّفوا، فلهذا السّبب انتظروه، وأنهم وإن كانوا جاحدين إلاَّ أنَّهم بمنزلة المُنْتَظِرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.
{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) }
«فَإِنْ قِيلَ» : قد قال في الآية الأولى: «ادْعُوا رَبَّكُمْ» ، ثم قال هاهنا: «وَادْعُوهُ» ، وهذا يقتضي عَطْفَ الشَّيْءِ على نفسه، وهو باطل.
والجوابُ: أنَّ الَّذينَ فسروا قوله: «ادْعُوا رَبَّكُمْ» بأنَّ المرادَ به العِبادَة، قالوا: المُرَادُ بهذا الدُّعَاء الثَّانِي هو الدُّعَاءُ نفسه.
وأمّا الذين قالوا: المرادُ بقوله: «ادْعُوا رَبَّكُمْ» هو الدُّعَاءُ قالوا: المراد بهذا الدُّعَاءِ أن يكون الدُّعَاءُ المأمور به أوَّلاً مقروناً بالتَّضَرُّع، والأخْفَاءِ، ثم بيَّن هاهنا أنَّ فائدةَ الدُّعَاءِ أحد هذين الأمرين.
فالأولى في بيان شَرْطِ صحَّةِ الدُّعاء.
والثانية في بيان فَائِدِةِ الدُّعَاءِ ومنفعته.
قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ}
إنَّمَا لم يُؤنِّثْهَا وإن كانت خبراً لمؤنث لوجوه:
منها أنَّهَا في معنى الغُفْرَانِ والعفو والإنعامِ، فحُمِلت عليه، قاله النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل واختاره الزَّجَّاجُ.
قال سعيدُ بْنُ جُبَيْر: الرَّحْمَةُ هاهنا الثَّوَابُ فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله: {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ} [النساء: 8] ولم يقل: «مِنْهَا» ؛ لأنَّهُ أراد الميراث والمال.
ومنها أنها صفة لموصوف مذكَّرٍ حذف، وبقيت صِفَتُهُ، والتَّقديرُ: إنَّ رحمة الله شيء ٌ قريبٌ.
ومنها: أنها في معنى العفو أو المطر، أو الرحم.
ومنها: أنَّهَا على النَّسب كحائضِ ولابنٍ وتامرٍ، أي: ذات حيض.